الجوع في شعر السياب 

“والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين”

أولًا: المقدمة 

الجوع في شعر بدر شاكر السياب ليس مجرّد شعور بيولوجي أو معاناة فردية، بل هو حالة وجودية ورمز اجتماعي وصرخة احتجاج ضد الظلم. السياب الذي نشأ في بيئة فقيرة، وعايش القهر والحرمان في طفولته وشبابه، صاغ في شعره معاناة الجياع والبائسين بلغة إنسانية تمسّ الوجدان، وتنتقد البُنى السياسية والاقتصادية الظالمة.

💠 ثانيًا: أبعاد الجوع في شعر السياب

1. الجوع المادي: الفقر والحرمان

أبرز تجلٍ للجوع عند السياب هو صوره المباشرة للفقر، كما في قصيدة “حفار القبور”، حيث يقول:

“يموتُ الجياعُ،

وتبقى أكفُّ الغنيِّ على الثروةِ المغمورةِ،

ويأكلُ أرغفةَ السُّحتِ وحدهُ،

وإن ماتَ ألفُ جَسَدْ.”

🟩 التحليل:

الجوع هنا هو نتيجة للطبقية الفاحشة. الفقراء يموتون، بينما الأغنياء لا يكتفون بثرواتهم بل يحتكرون الطعام والمكان والحق بالحياة.

2. الجوع كأداة سياسية لكشف الظلم

في قصيدة “قراءة في دفتر المطر”، يستخدم السياب الجوع ليعكس خراب الوطن:

“القرى، والمدنُ الجائعةُ،

التي لا تجدُ ما تطبخُهُ إلا الهواءَ،

ولا تأكلُ إلّا الغبارَ!”

🟩 التحليل:

هنا يتحول الجوع إلى حالة جماعية، إلى مأساة أمة كاملة. القرى “تطبخ الهواء”، وهو تعبير رمزي عن اللاجدوى واليأس، بينما “تأكل الغبار” في إشارة للموات.

3. الجوع الوجودي والنفسي

في “أنشودة المطر”، تتسرب مفردة الجوع ضمن نسيج حزين من الحرمان، حيث يقول:

“جياعُ، إلى أنْ يأكلَ الحافــرونْ

حصادَ السنابلِ،

وما يزرعُ الموتُ من وردنا ويموتْ…”

🟩 التحليل:

هنا الجوع يتداخل مع الموت، والحصاد ليس حياة بل مصادرة لها. الموت يزرع وردًا، لكنه ورد لا يعيش، والناس جياع حتى لحصاد الموت. مفارقة مأساوية شديدة العمق.

💠 ثالثًا: الجوع في مقابل التفاوت الطبقي

في قصيدة “مدينة بلا مطر”، يصور السياب التفاوت الصارخ:

“وفي السوق جوعٌ،

وفي البيت نارُ المدى،

وفي فم طفلٍ،

غدا الخبزُ حلمًا يُرى في الكرى!”

🟩 التحليل:

الخبز – رمز الحياة – لم يعد متاحًا، بل أصبح مجرد حلم في نوم طفل. هذا التعبير يجسّد الذروة في الحرمان واليأس. بينما هناك من يشبع، هناك من يحلم فقط بـ “فتات الخبز”.

💠 رابعًا: رمزية الجوع في شعر السياب

• الجوع = قهر طبقي

• الجوع = اغتراب اجتماعي

• الجوع = احتجاج ضد سلطة لا ترحم

• الجوع = موت بطيء لعالم فقد الإنسانية

💠 خامسًا: الجوع في سيرته الذاتية

في مقطع من قصيدة “المومس العمياء”، يشير إلى طفولته:

“وكان أبي — حين تلقى الأنباء —

يغصُّ بجوعِ أخي الرضيعِ،

ولا يملك إلا دعاءً حزينًا،

وخبزًا يابسًا كالمساء!”

🟩 التحليل:

يربط السياب بين الجوع وطفولته وألمه الشخصي، فالحرمان كان جزءًا من نشأته. الخبز اليابس يصبح رمزًا لمساءات الفقر، والصلاة الحزينة لا تسمن الجائعين.

شذرات الجوع 

“تلك الزرافات في السهل العقيم لها

مرعى روى من سراب ينبت السّغبا”

***

“آه يا أمي عرفت الجوع و الآلام و الرعبا

و لم أعرف من الدنيا سوى أيام أعياد”

***

“وزغب جياع يصرخون على بعد”

***

“إني خبرت الجوع يعصر 

من دمي ويمص مائي”

💠 سادسًا: الخاتمة

الجوع في شعر بدر شاكر السياب ليس مجرد ثيمة بل هو موقف أخلاقي وثوري. يعكس التزام الشاعر بالإنسان البسيط والمهمّش، ويحوّل الكلمات إلى مرآة لجراح الأمة.

✒️ في شعر السياب، الجوع ليس جوع الخبز فقط،

بل جوع العدالة، جوع الأمل، وجوع الإنسان للكرامة

“ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع”

مختار الأنصاري

X @moc_91

اكتب تعليقًا