“‏إنها الجزائر التي هي أكثر من أين”

استيقظ على نداء الطائرة

لقد وصلنا إلى وجهتنا مطار هواري بومدين .

إنّه الرئيس الأسبق حكم الجزائر في 19 يونيو 1965 م ..

نعم إنها الجزائر

مرحباً يا جزائر

جئتُ مرتحلاً

وبعض من الارتحالِ لجوءُ

مرحباً ، مرحباً ..

أتعرف قلباً

سكن الهوى أضلعهُ وسمراءُ

مرحبا يا جزائر

أشدو طرباً فهل يا ترى لشريد غناءُ

ذهبت لجلب الحقائب

إلتقيت بامراة في العقد الثالث من عمرها

سألتني بتطفل .. من أين أنت ؟

إنه أكثر سؤال لا أستطيع الإجابة عليه

قلت من هنا من الجنوب

إلى أين تذهب ؟ للجنوب

نظرات تعجب ثم ماذا تفعل بالجنوب

حيث الأجواء ساخنة هناك ؟.. إنه بلدي !

وما أن خرجنا من المطار حتى رأيت علم الجزائر

كان قبل يوم من تاريخ استقلال الجزائر

الذي كان في 5 يوليو حتى تذكرت الثورة وتذكرت الأحرار

إنها الجزائر بلد الأكثر من مليون شهيد

التي لا تخضع لمستبد

إنها رمز الثورة والثوار  

لا تعرف الخضوع ولا العبودية..

الوطن أولاً لا القائد

انطلقنا نبحث عن الباص الذي ينطلق بنا إلى الفندق

حيث كان الفندق يبعد ما يقارب 20 دقيقة

ثم ما تلبث حتى ترى طبيعة الجزائر

تأخذ تفكيري وأتذكر النشيد الوطني وأستعيد شيئاً منه

|-( قسما بالنازلات الماحقات

و الدماء الزاكيات الطاهرات )-|

نعم إنها ثورة شاعر إنه مفدي زكريا

إنها الجزائر التي يثور بها الجميع كلٌ بما يستطيع

بالشعر أو بالقنابل أو بالرصاص أو بالحجارة ..

وصلنا إلى الفندق دخلنا وتوجهت إلى مكان الاستقبال أتى شخص من الداخل وقال باللهجة الجزائرية  واش تحوس ( ماذا تريد؟)

ما أن اكتريت حجرة حتى انطلقت إلى الخارج

لأرى الجزائر ذهبت إلى ساحة الشهداء

التي كانت مكانًا للإعدام العام للمقاومين الجزائريين ..

كان الفندق يبعد ما يقارب اثنين كيلو عن ساحة الشهداء

يا آه ما أروع الجزائر .. 

في اليوم التالي خرجنا صباحاً

إنها أمة النهار .. يبدو أنه لا أحد بالمنزل

بطبع إنه يوم الاستقلال

نعم كان يوم الثورة ويوم استقلال الجزائر

إنه يومً حافل مهرجان حتى الغروب

حيث الموسيقى والطرب والأغاني كان يوم الفرح

“الجزائر تتكلم … من ذا الذي يستطيع

أن يسكتها” .. مالك حداد

توجهت مع أحد الأصدقاء

انطلقنا بالقطار إلى مقام الشهيد

بُني هذا المقام سنة 1982 بمناسبة إحياء الذكرى

العشرين لاستقلال الجزائر  

وفي ذكرى لضحايا الحرب التحريرية ..

إنه البناء الذي يخلد لشهداء الثورة رمزية تاريخية

أنها ثلاثة سعفات نخيل تعانق السماء

يستوطنون على هضبة الحامة

أما من الجانب الخلفي لكل سعفة،

فهناك 3 تماثيل برونزية ضخمة

يرمز الأول للمقاومة الشعبية،

والثاني لجيش التحرير الوطني،

أما الثالث فيرمز للجيش الوطني الشعبي الجزائري

وفي الأسفل يوجد المتحف الوطني للمجاهد

ما أن تأتي حتى تسمع الموسيقى الجزائرية

بكل أنواعها :

-(( قالا: في البدء كرامتنا والشعب يسود هنا فينا

خيرات الشعب نقسمها فينا بالعدل موازينا ..))-

ياسمين بلقاسم تغرد في كل مكان

جلست أشاهد مستمتعاً باللحظة

لحظة حرية رائعة لا يعلوها شيء

تذكرت قولاً لأديب فلسطيني

-(( إذا أردت شيئاً فخذه بذراعيك

وكفيك وأصابعك ))- غسان كنفاني

ها هي الجزائر ..

ذهبناً إلى المطعم أنا وصديقي

طلبنا الأكل الجزائري .. وأخذنا الكلام

تحدثنا كثيراً، نتذكر الجزائر

التي لا نعرف عنها شيئاً!

الجزائر التي هي أكثر من ذاكرة،

أكثر من نصب تذكاري ،أكثر من مقام ، أكثر من بحر

وكنت أقول لنفسي : ما هي الجزائر بالنسبة لي؟

إني لا أعرف المقام  ، ولا الثورة التي امتدت لقرن

ولا الأمير عبدالقادر  ولا العربي بن مهيدي  

الذي قال يوماً

( ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب )

ومع ذلك فهل هي بالنسبة لنا

جديرة بأن نموت في سبيلها

أم مضى عن ذلك زمن ما هو الوطن بالنسبة لنا

هل هو المستقبل أم الماضي أم كلاهما ..

أم ذهبت اللحظة التي ننتمي فيها للوطن

الوطن ليس ورقة ولا جواز بداخله صورتك

الوطن أكبر وأعظم لدرجة أنك لا تستطيع

أن تفسره حتى تخونك الذاكرة ويخونك

القلم ويخونك القلب والعقل ..

مفهوم  الوطن لدي التراب الأول الذي

مشيت عليه .. تبللت بالمطر وهربت

إلى أول شجرة وسقف يحميني من القطرات

عشقتكِ فيه وكتبت كما كتب بودلير

بكل تناقضاته وازهار الشر ..

وأنا لم تكن أول خطواتي به

كيف يمكنني أن أنتمي له

بعد يومٍ حافل عدنا منهكين

إلى الفندق بعد الغروب

حيث كان الهدوء يملؤ المكان

وخلدت إلى نوم عميق

حتى استيقظت على أذان الفجر ..

يومٌ آخر لدينا طريق طويل

إلى تمنغست ( تمنراست )

إلى الجنوب الجزائري المنسي ..

الذي يبعد ما يقارب يومين

طريق طويل فيه المناظر

الخلابة طبيعة بلد رائع

كان ذات ربيع حيث الاجواء

الجميلة .. والطرق التي

تكون وعرة و تكون محاطة بالطبيعة

ها هي إذن تمنراست

إنها عاصمة الهقار موطن التوارق

حيث القمم التي ترتفع إلى 3000 متر

سلسلة جبيلة بركانية ضخمة منطقة الأهاقار

حيث قمة تاهات أتاكور  وكذلك يوجد بها

أحد أجمل الممرات في العالم وهو ممر الأسكرام

الذي يمكن منه مشاهدة أجمل شروق وغروب للشمس في الجزائر   

ما إن تصل حتى ترى الأمة في الشارع

لا يهدئون إلا قبل الغروب

أمة نهار .. كطير غادر عشه في الصباح

وعاد العشية محملاً بالخيرات ..

ولاية كاملة يوجد بها كل ما تتوقعه

الجامعات والمرافق الصحية والمقاهي

والمطاعم حيث تعد أكبر ولايات الجزائر

قضيت بها 4 أيام قبل ان أغادرها

عائداً للعاصمة الجزائر ..

نعم إنها العاصمة مرة آخر

فلتستمتع .. لا تعلم متى تلقاها ..

في اليوم التالي

توجهت نحو البحر لا أريد سوى

البحر لا أريد من الأيام إلا البحر

البحر الأبيض المتوسط

الذي غرق به اللون الازرق حيث

تلتقي السماء بالبحر

كان الشاطئ مزدحماً عن آخره

يوم إجازة وشهر احتفال ..

ما أن تجلس وحدك حتى

تقتحم عقلك نجد ثم لماذا ولدت بنجد

لماذا ارتكبت هذا الإثم

لما تناقض نفسك فمرة تتغزل بها

ومرة تلعنها

هل هو العشق أم تخدع نفسك

أي رجل يخدع نفسه في حضرة الموت

كما في حضرة العشق ، لا للخداع

بل إنه الكبرياء ..

تذكرت درويش حين قال يوماً في رثاء

غسان ( لا يكون العشق عشقا

إلا إذا بلغ حد الخطأ.

فلنذهب إلى الخطأ جميعاً،

لأنه فاتحة الصواب )

هل لابد من الخطأ أم أنه يولد فينا

ثم لماذا الآن؟ لماذا الجزائر ؟

وحين نقول الجزائر، فماذا نعني؟

هل فكَّرنا بهذا السؤال من قبل؟

إنها الجزائر ‏ التي هي أكثر من أين

متى يا ترى نلتقي !؟..

بعد كل هذا الإرتحال والتغرب

والتجول والسفر ..!

تعليق 1

اكتب تعليقًا